إختتام اليوبيل المئوي لمدرسة الإخوة المريميين -عمشيت وجبيل
يحتفل به الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير
بحضور فخامة رئيس الجمهورية
العماد ميشال سليمان
السبت 18 نيسان الساعة الخامسة مساءً
بازيليك سيدة لبنان - حريصا
1- كلمة صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار نصرالله بطرس صفي
2- كلمة فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان
"فليكن كلّ شيء للبنيان" (1 كور 26:14)
لقد احتفلت العائلة المريمية، طوال السنة الفائتة، بيوبيل وجودها المئوي في لبنان، وهي تختتم اليوم هذا اليوبيل، وفي الوقت عينه، أنّها تحتفل بمرور عشر سنوات على إعلان تقديس مؤسّسها الأب مرسلان شامبانياه. ويسرّها كما يسرّنا جميعاً أن يكون على رأس المشاركين في هذا الإحتفال فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وكوكبة من تلامذة الأخوة المريميين هم وابناؤهم ، ولفيف من الأصدقاء، والمقرّبون بفضل الأخوة المريميين في لبنان.
لقد كان للأخوة المريميين في لبنان طوال القرن الفائت وجود مميّز، وقد انتشرت مدارسهم في أنحاء هذا الوطن المختلفة: عمشيت، وجبيل، وجبيل، وجونية، وصيدا، ودير القمر، وفاريا صيفاً، ولكنّهم انكفأوا اليوم الى عمشيت. وقد تخرّج على يدهم العديد من الطلاب اللبنانيين، الذين برزوا في المجتمع اللبناني، وفي كل القطاعات، وحفظوا للإخوة المريميين أعمق عرفان جميل، وعن وجودهم في مدارسهم، أطيب ذكر.
وحسبهم فخراً أن مؤسسهم الأب مارسلان شمبانياه قد أعلن قديساً منذ عشر سنوات، وهم اليوم يعيشون في ظلّه، ولا يزالون يقتفون أثره في حياتهم اليومية. لقد أبصر النور في العشرين من أيار سنة 1789 في روزي في فرنسا، وكان التاسع بين أشقائه وشقيقاته، وعُمد بعد مرور خمسة أيام على مولده.
وبعد مرور شهرين على مولده اندلعت الثورة الفرنسية، فسقط سجن الباستيل، واجتيحت القصور الملكية، وأحرقت الكنائس. وأعلنت حقوق الإنسان، وأمّمت أرزاق الكنيسة، وبيعت من المواطنين وحُلّت الرهبانيات، بعد أن طرد الرهبان والراهبات من الأديار، ولجأت عمة مرسالان الراهبة الى بيت أخيها والد مرسلان. وأجبر الكهنة على أداء يمين الأخلاص للدولة. وأسقطت الملكية وأعلنت الجمهورية وشعارها : حريّة، مساواة، أخوّة. وحُكم على الملك لويس السادس عشر بقطع الرأس على المقصلة. وساد الأرهاب فذهب ضحيّته نحو خمسين ألف مواطن. وأغلقت أبواب الكنائس، ولم يبق في فرنسا سوى ثمانية أساقفة.
في هذا الجوّ العام البغيض نشأ مرسلان، وفي الحادية عشرة من عمره قبل سرّ التثبيت وفي سن الرابعة عشرة دخل المدرسة الإكليريكية، برضى والدته التقية، إنّما على كره من والده الذي كان ميّالا الى الأفكار الجديدة السائدة في عصره . واعتلى درجة الكهنوت المقدّسة سنة 1816 وهو في السابعة والعشرين من سنيه. وعيّن كاهناً مساعداً في إحدى رعايا منطقته. ومنذ ذلك الحين، أخذ يعدّ العدّة لإنشاء جمعية تنصرف الى تربية الناشئة على قواعد الأداب المسيحية. فجمع حوله كوكبة من الشبان تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة سنة، والخامسة والعشرين، وبلغ عددهم الأربعمائة شابا، بعد أربع وعشرين سنة من جهد وكدّ وتعب. وكان همّه الأوّل بناء شخصيّتهم على ممارسة التواضع والبساطة والخفر، إنطلاقاً من القول المأثور:" الخير لا يكون في الضجّة، والضجّة لا خير فيها". وأرسل أول فوج من أبنائه الى أوقيانيا، وكان يهمّ بمرافقتهم، لكنّه عاد فأدرك أن محلّه في بلده، وبين أخوته.
وكانت طريقة تربيته تقوم على التركيز على روح الرسالة، وعلى الإحساس بوجود الله، وحياة تتّخذ شعاراً لها، ومثالا العذراء مريم، وعلى روح الأخوّة. ووضع طريقة تثقيف مهني متواصل، مبنية على أساليب التربية المهنية، مستخدماً لذلك المحاضرات، والأشغال اليدوية، وما سوى ذلك من أساليب. واختبر في حياته خيبات الأمل، وتمرّس بحمل الصليب، وما أصيب به من اخفاقات، ولكن ذلك كلّه لم ينل من عزيمته، ولا ثقته بربه، وظلّ ايمانه به ثابتاً لا يتزعزع. ولقي وجه الله، وهو في الحادية والخمسين من سنيه. وكان ذلك في السادس من حزيران سنة 1840.
وكان عدد الأخوة في جمعيّته قد بلغ مائتين وتسعين أخاً وتوزّعوا على أربع وثمانين مدرسة في خمسة أقطار العالم في عهد من خلفه على رئاسة الجمعية. وجلّ هم الأخوة المريميين الموروث عن مؤسسهم هو تغيير حياة الشبان، خاصة غير الموهوبين من بينهم، بتقديم ثقافة لهم متكاملة، انسانية وروحية، قائمة على محبة كل منهم محبة شخصية، دونما استثناء. وكان شعاره الذي ما زال شعار خلفائه:" يجب، لأحسان تنشئة الأولاد، أن نحبهم، وأن نحبّهم بالمساواة ". ويقتضي لهذه التربية: الحضور، والبساطة، وروح العائلة، ومحبة العمل، على مثال العذراء مريم، وعلى وجه الخصوص التشبّع من روح الإنجيل. وهذه هي طريقة الأخوة المريميين التربوية، وهي طريقة ناجحة أعطت ولا تزال تعطي ثمراً شهيّاً.
ولا يسعنا في ختام هذه الكلمة الوجيزة إلا أن نحيّي جميع الأخوة المريميين الذين عرفناهم عن كثب وبخاصة حضرة الأخ أندره المحترم. ولا نزال نذكر كيف كنا نراهم يستيقظون باكراً كل يوم، شتاء وصيفاً، ليستهلوا نهارهم بتلاوة فرضهم ويزلجون سبحة العذراء بأيديهم، فيما هم يذرعون الممشى العلوي ذهاباً واياباً في مدرسة جونية. وقد قضينا فيما بينهم ابّان الخمسينات بضع سنوات نتولّى تدريس الأداب العربية الى جانب أساتذة، نقلهم الله بعضهم الى جواره، من مثل الأستاذ لويس أبو شرف، والأستاذ رئيف خوري، والآباء بولس خليل، ومدير الدروس العربية الخوري أنطون حداد، رحمهم الله جميعاً واسع الرحمة. وكان الرئيس فؤاد شهاب، جارهم في جونية، جار الرضى، يزورهم بين الحين والحين.
أنا، إذ نشكر الله على ما ألهم جمعية الأخوة المريميين أن يقوموا به من تربية دينية وتنشئة أخلاقية وعلمية في لبنان، نسأله تعالى أن يتغمّد بالرحمة الواسعة الذين قضوا من بينهم في هذا البلد، ويشمل برضاه من لا يزالون يكافحون فيما بيننا لتأمين ثقافة إنسانية ودينية لعدد لا يُستهان به من طلابنا.
كافأ الله خيرا الأخوة المريميين عن خدمتهم التربوية القيّمة في لبنان، طوال قرن كامل، وجاد عليهم، بشفاعة سيّدة لبنان، ببركاته السماوية.
وبعد القداس ألقى الأخ جورج طراد رئيس مدرسة الشانفيل كلمة بإسم الأخوة المريميين شكر فيها كل الذين ساهموا في إنجاح هذا اليوبيل المئوي الأوّل للإخوة.
بعدها قدّم الأخ جوزيه ريميرو رئيس مدرسة الأخوة المريميين في جبيل وعمشيت درعاً تذكارية الى كل من فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أحد طلاب الأخوة في مدرسة الفرير، وإلى غبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.
نجتمع اليوم معاً يغمرني شعور مزدوج. الأول هو التلاقي مجدداً مع العديد من الوجوه الطيّبة التي تعود بي الذاكرة معها الى رفقة درب في رحاب اكتساب العلم، والثاني هو العودة الى الجذور الثقافية والتربوية التي شهدها لبنان مطلع القرن المنصرم، حيث كان ساحة انفتاح أمام الإرساليات الثقافية التي نشأت وربّت أجيالا من اللبنانيين، وفي طليعة هذه الإرساليات الأخوة المريميون الذين افتتحوا في عمشيت ومنذ مئة سنة بالتحديد، أول مدرسة تابعة لهم في منطقة الشرق الأوسط.
أهنئ الأخوة المريميين بالذكرى المئوية لتأسيس ارساليتهم وبمرور عشر سنوات على قداسة المؤسس الأب مارسلان شامبانياه، متمنياً الإستمرار في العطاء والتنشئة التربوية والثقافية والوطنية لأبنائنا وشبابنا ليبقى لبنان وطناً يستحقّه أهله، ومنارة وصرحاً تربوياً عالياً في هذه المنطقة.
أرى في وجوهكم تساؤلاً لرفيق الصف الذي التحق في مدرسة الفرير في عمشيت عام 1953 ليتعلّم القراءة والكتابة والأخلاق والقيم...ليتعلّم اللعب البريء والمنافسة الشريفة والرياضة الرياضية....
ليتعلّم المحبة، محبة الجميع والتعليم الديني السمح... ليتعلّم التربية الوطنية اللبنانية... اللبنانية فقط...
تسألونني الى أين نأخذ لبنان؟ أحلامنا البريئة ما زالت هي هي...
اخذ لبنان معاً الى المكان الذي حلمنا به دائماً عندما كنا صغاراً، على وقع دقات قلوبنا الطاهرة لدى سماع النشيد الوطني.
تعالوا معي نعيد للبنان كرامته وسيادته وعنفوانه كعنفوان الأرز. تعالوا نسترجع دور لبنان الحضاري والثقافي منارة اشعاع للشرق والغرب... تعالوا نسترد ما أخذ من لبنان من موقعه كبلد استقطاب وكسويسرا الشرق... تعالوا نكرّس وطننا الجميل، وطن حوار يؤمه الجميع لا ساحة تنابذ وشتم...
تعالوا معاً نستعيد الديموقراطية الحقيقية ونترك جانباً الإصطفاف المقيت والتجاذب الأعمى... هل أستطيع؟ نعم، معاً نستطيع.
فالإستقامة والشفافية والإصلاح كلها موجودة في كل بيت من بيوت لبنان والأبطال والمقاومون موجودون عند كل الأطراف والأحزاب والعائلات... فسهولنا وجبالنا تعج بهم...
الجميع يتقنون ثقافة الحياة وليس فريقاً من دون فريق...أولم توصف بيروت بباريس العرب؟
كثيرون على مرّ العصور ثاروا من أجل الأرز وانتفضوا من أجل الإستقلال...
لا تسمحوا لأحد باحتكار هذه القيم وهذه الصفات، فهي من سمات الشباب اللبناني الذي استطاع أن يبني دول العالم قاطبة وقد التقيتهم في دنيا الإغتراب وافتخرت بهم...
لا تسمحوا لأحد بأن يفرّق هؤلاء، بل تعالوا نناديهم ونجمعهم في صفوف واحدة موحدة...
فالزمن لمصلحتهم والزمن لمصلحتنا... لا خوف على الوطن أن يؤخذ أو يُرتهن، لأنّه استعاد موقعه على خريطة العالم وأصبح التعاطي معه من دولة الى دولة.










